رحلتنا اليوم إلى معسكر النصارى، الذين تجمعوا من دولأوروبا، على اختلاف ألسنتهم ومذاهبهم، لمحاربة المسلين، وتحرير قبر المسيح عيسى عليه السلام، واسترجاع الأرض المقدسة. قادهم رهبانهم وقساوستهم لهلاكهم. أخرجوهممن نعيم أوروبا لتسفك دمائهم على أراضي فلسطين.
كان المعسكر مظلما، فقد أطفئ مصباح الخيام مصابيحهم. واشتدت الحراسة حول المعسكر. فقد دب الرعب في قلوب النصارى، بعد أن علموا أنلسلطان المسلمين، رجالا شروا الدنيا بالآخرة، وباعوا أنفسهم لله. يقدمون على الموت لا يهابون منه. يخرجون كل ليلة، فيتسللون لمعسكرات النصارى الممتلئة بالجنود والحرس، فيخطفون القادة والمحاربين من على فرشهم، ويسلمونهم لسلطان المسلمين.
وفي إحدى الخيام، جلست امرأة تنوح. تضم وليدها لصدرها وتتحسر على فقدان زوجها. فلقد جاءوا من فرنسا، لتحرير قبر المسيح، وها هو فارسها وأبو طفلها يقع في أسر المسلمين أكلة لحوم البشر.
– يا حسرة على زوجي. ماذا يا تراهم فاعلين به؟! أيقتلونه؟! أيصلبونه؟! أم أنهم يطهوه ليأكلوه؟! يا لهم من وحوش مفترسة، لا تعرف الرحمة لقلوبهم طريقا.
نامت والدموع لم تنشف بعد من صفحة خديها. ثم استيقظت في الصباح، فلم تجد رضيعها بين يديها، فقامت مذعورة، وبحثت عنه في خيمتها، وفي الخيام المجاورة، وفي المعسكر كله، فلم تجده. فأخذت تنوح وتصرخ، وتلطم خدها وتقطع ملابسها.
– آه يا صغيري، أين أنت الآن؟! أي أرض تقلك وأي سماءتظلك؟! من خطفك يا بني؟! وماذا يريدون بطفل صغير مثله؟! آه
فسمع صراخها بعض قادة النصارى فتوجهوا إليها. فشكت لهم حالها. فقال أحدهم: لا بد أن جنود صلاح الدين قد اختطفوه، وليس بيدنا شيئا نفعله. وقال قائد آخر، قد علم من خُلق صلاح الدين ما علم: إن صلاح الدين رجل نبيل، ولنيرد امرأة ضعيفة تستنجد به، فاذهبي واسأليه عن طفلك. فصرخ به الرجال: أمجنون أنت، قد تلقى حتفها إن ذهبت لمعسكر المسلمين.
فقالت بصوت يملأه اليأس: وما الحياة من دون زوجي وطفلي، أنا ذاهبة لصلاح الدين.
وانطلقت تعدوا لمعسكر المسلمين، ثم تعبت، فتوقفت لتستريح، فتذكرت ابنها، فأخذت تعدوا مرة أخرى. وكلما توقفت لتستريح تذكرت ابنها المخطوف، فعادت للمشي أو للعدو حتى وصلت لمعسكر المسلمين، فمنعها الحرس من دخوله. فتعالت صيحاتها، فسمع صلاح الدين صراخها فأمر بإحضارها.
وما أن وقفت بين يديه، حتى عمّت السكينة نفسها، وقالت: قد جئنا أنا وزوجي وابني لاسترجاع أراضينا المقدسة منكم، فأُخذ زوجي أسيرا، فصبرت، فهو فداء للمسيح، أما إبني، فلا ذنب له، إنه طفل رضيع، فلم أخذتموه؟!! وخنقتها العبرات فلم تتمكن من نطق أي كلمة أخرى.
فرأف صلاح الدين بحالها، وأمر بإطلاق زوجها وإحضاره إليها، والبحث عن وليدها. وما هي إلا برهة قصيرة من الزمن، لكنها مرت على المرأة كأنها سنين طوال، حتى جاء من يصحب زوجها، ويحمل طفلها بين يديه، فقفزت إليه، تأخذ الولد تضمه وتشمه، ثم التفتت لزوجها تطمئن إليه. ثم جثت المرأة عند قدمي السلطان باكية وشاكرة معروفه بها وبابنها وبزوجها. فأمرها بالنهوض. فإنه لم يقم إلا بما أمره به الإسلام. فقد جاء رحمة بالإنسانية لا دمارا وهلاكا بها.
نعم، هذا هو الإسلام، دين رحمة ورأفة. دين عدل ومساواة. دين لا تزر فيه وازرة وزر أخرى. فلا يأخذ الابن بذنب أبيه، ولا الأخ بذنب أخيه، فكل يأخذ بما قام به هو لا أحد سواه.
فما كان من المرأة وزوجها إلا أن أعلنا إسلامهما. فأصبح زوجها الذي جاء لمحاربة الإسلام، جنديا مجاهدا في صفوف المسلمين، راجيا نيل الشهادة في سبيل رب العالمين.
يا لهذا الدين، الذي استطاع، أن يغير نفس الرجل الصليبي المتعطش لدماء المسلمين، إلى رجل مسلم يسعى للدفاع عن أخوته في الدين، فجعله يقاتلقومه في صف من ترك أهله لمقاتلتهم. تحول هذا الفارس، الذي جاء حاملا للصليب، كارها للإسلام وأهله، إلى فارس يسعى جاهدا لكسر الصليب، ورد أصحابه إلى ديارهم خائبين.نعم، هذا هو الإسلام. الدين الذي يجعل رابطته أقوى من رابطة الدم.
انتهت رحلتنا لهذا اليوم، وقد رأينا فيها مثالا لعظمة الإسلام وأهله. وإلى أن نلقاكم في رحلة أخرى.. أستودعكم الله.
نشرت لأول مرة في الفترة بين العام 1999م والعام 2002م