صورة تعبيرية لبيت من طين (المصدر: الإنترنت)

نعود معكم اليوم إلى المدينة المنورة. حيث نقرأ بعين العبرة قصص قوم كرام عاشوا هناك. تربوا على يدي خير البشر، محمد صلوات الله وسلامه عليه. ثم انطلقوا منها لنشر النور، وإزالة الضلال والظلم والطغيان. ولم يتوقف مدّهم بانتقال قائدهم إلى الرفيق الأعلى. فالرجال يذهبون، لكن دين الله باقٍ. فتتابع على الخلافة رجال أقاموا الدين والدنيا معا. فطبقوا الشريعة كما ورثوها من محمد صلى الله عليه وسلم. وسادوا الدنيا فحطموا عروش الطغيان.

نقف الآن بباب أحد هؤلاء الخلفاء. رجل تهابه الملوك، وتخفق عند ذكر اسمه قلوب أشد الفرسان. فقد رُئِيَ يمشي يوما، وصحبه يمشون خلفه بمسافة ليست بالقصيرة. فتوقفت والتفت إليهم وسألهم: لم أنتم مبتعدون؟! فأجابوا: خوفا منك يا أمير المؤمنين. فسألهم: أمن جَوْر هو؟ فأجابوا: لا. فقال: زادني الله رهبة في قلوبكم.

فمع عدله، كان الرجال يهابونه. فهو الرجل القوي، عظيم البنية، الحازم في أمره، الذي لا تأخذه الرأفة في الدين، فيطبق الشرع حتى إن كان على نفسه. أما قبل إسلامه، دعا رسولنا الكريم فقال: اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين. فدخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الإسلام. وأصبح درعا منيعا من أدرعه.

هذا هو عمر الذي سقط مُلك فارس في عهده، وجُمعت له كنوز كسرى. هذا هو عمر الذي سماه الرسول الكريم “الفاروق” لأنه يفرق بين الحق والباطل. هذا هو عمر الذي نزل القرآن مؤيدا لرأيه في أربعة عشر موقفا. هذا هو عمر الخليفة الذي تهابه الملوك. هذا هو عمر الرجل الذي يرتعد منه الفرسان.

ولكن، من هو عمر في بيته؟

نقف الآن أمام بيته المتواضع. بيت من طين. فنسمع صوت امرأة يعلوا في الدار. ونرى أعرابيا قادما من بعيد. تعلوا على وجهه علامات الغضب. وصل إلى الدار فوقف أمام الباب يستعد لطرقه. لكنه ما لبث أن ولى ظهره للدار يهم بالانصراف.

ما بالك يا رجل؟ لمَ تريد الانصراف مع أنك لم تر أمير المؤمنين بعد؟

يا هذا، ألا تسمع امرأته تصرخ عليه وهو ساكت. إن كان هذا حال أمير المؤمين، فكيف حالي؟

فأحس عمر بالأعرابي فخرج. فهمّ الأعرابي بالانصراف. فقال له عمر: ما حاجتك يا أخا العرب؟ فقال الأعرابي:‏ ‏ قد وقعت على حاجتي. فأقسم عليه عمر إلا أن يقول. فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين، جئت إليك أشكو خـُلق زوجتي، واستطالتها عليّ، فرأيت عندك ما زهـَّدني، إذ كان ما عندك أكثر مما عندي، فهممت بالرجوع، وأنا أقول:‏‏ إذا كان هذا حال أمير المؤمنين مع زوجته، فكيف حالي؟

فتبسم عمر وقال:‏ يا أخا الإسلام، إني أحتملها لحقوق لها عليّ، إنها طباخة لطعامي، خبازة لخبزي، مرضعة لأولادي، غاسلة لثيابي، وبقدر صبري عليها، يكون ثوابي.

ونعم الرجل عمر. فهكذا يكون الرجل مع زوجته. فبالرغم من قوة عمر وسلطته، إلا أنه كان رفيقا بزوجه، يحتمل صراخها، ولا يبادلها بمثله. فأين رجال اليوم منه. أين الذين يظهرون قوتهم على نساءهم بمجرد أن يرفعن أصواتهن أو حتى إن طالبن بشيء من حقوقهن، أين هم من عمر.

إن عمر لم يأت بشيء من عنده. فعمر تربى في مدرسة الرسول الكريم، محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم. وهذا كان خلق ذاك النبي العظيم. فقد كان يأنس بأهله ويأنسوا به. وقد وصّانا بهذا فقال: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي. ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم“.

فمن منا يرضى أن يكون لئيما؟!

انتهت رحلتنا لهذا اليوم، وإلى أن نلقاكم في رحلات أخرى، أستودعكم الله.

نشرت لأول مرة في الفترة بين العام 1999م والعام 2002م .