نبذة
آتاه الله العلم والحكمة وسخر له الجبال والطير يسبحن معه وألان له الحديد، كان عبدا خالصا لله شكورا يصوم يوما ويفطر يوما يقوم نصف الليل وينام ثلثه ويقوم سدسه وأنزل الله عليه الزبور وقد أوتي ملكا عظيما وأمره الله أن يحكم بالعدل.
بروز داود عليه السلام:
خرج اليهود يوما بقيادة ملكم طالوت، لمحاربة جالوت وجيشه. كان داود جنديا في جيش طالوت. وكان قبلها، راع غنم.
وبرز جالوت في دروعه الحديدية وسلاحه، وهو يطلب أحدا يبارزه. وخاف منه جنود طالوت جميعا. إلا داود. كان داود مؤمنا بالله، وكان يعلم أن الإيمان بالله هو القوة الحقيقية في هذا الكون، وأن العبرة ليست بكثرة السلاح، ولا ضخامة الجسم ومظهر الباطل.
ويقال أن الملك وعد من يقتل جالوت بتنصيبه قائدا على الجيش وتزويجه ابنته. ولم يكن داود يهتم كثيرا لهذا الإغراء. كان يريد أن يقتل جالوت لأن جالوت رجل جبار وظالم ولا يؤمن بالله. وسمح الملك لداود أن يبارز جالوت.
وتقدم داود بعصاه وخمسة أحجار ومقلاعه (وهو نبلة يستخدمها الرعاة). تقدم جالوت المدجج بالسلاح والدروع. وسخر جالوت من داود وأهانه وضحك منه، ووضع داود حجرا قويا في مقلاعه وطوح به في الهواء وأطلق الحجر. فأصاب جالوت فقتله. وبدأت المعركة وانتصر جيش طالوت على جيش جالوت.
جمع الله الملك والنبوة لداود:
لما قتل داود جالوت، أحبته بنو إسرائيل، ومالوا إليه وإلى ملكه عليهم، فصار له الملك من بعد طالوت. فجمع الله على يديه النبوة والملك مرة أخرى.
وتأتي بعض الروايات لتخبرنا بأن طالوت بعد أن اشتهر نجم داوود أكلت الغيرة قلبه، وحاول قتله، وتستمر الروايات في نسج مثل هذه الأمور. لكننا لا نود الخوض فيها فليس لدينا دليل قوي عليها. ما يهمنا هو انتقال الملك بعد فترة من الزمن إلى داود.
لقد أكرم الله نبيه الكريم بعدة معجزات. لقد أنزل عليه الزبور (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا)، وآتاه جمال الصوت، فكان عندما يسبّح، تسبح الجبال والطيور معه، والناس ينظرون. وألان الله في يديه الحديد، حتى قيل أنه كان يتعامل مع الحديد كما كان الناس يتعاملون مع الطين والشمع، وقد تكون هذه الإلانة بمعنى أنه أول من عرف أن الحديد ينصهر بالحرارة. فكان يصنع منه الدروع.
كانت الدروع الحديدية التي يصنعها صناع الدروع ثقيلة ولا تجعل المحارب حرا يستطيع أن يتحرك كما يشاء أو يقاتل كما يريد. فقام داوود بصناعة نوعية جديدة من الدروع. درع يتكون من حلقات حديدية تسمح للمحارب بحرية الحركة، وتحمي جسده من السيوف والفئوس والخناجر. أفضل من الدروع الموجودة آنذاك.
وشد الله ملك داود، جعله الله منصورا على أعدائه دائما. وجعل ملكه قويا عظيما يخيف الأعداء حتى بغير حرب، وزاد الله من نعمه على داود فأعطاه الحكمة وفصل الخطاب، أعطاه الله مع النبوة والملك حكمة وقدرة على تمييز الحق من الباطل ومعرفة الحق ومساندته. فأصبح نبيا ملكا قاضيا.
القضايا التي عرضت على داود وفتنته:
يروي لنا القرآن الكريم بعضا من القضايا التي وردت على داود -عليه السلام.
جلس داود كعادته يوما يحكم بين الناس في مشكلاتهم. وجاءه قوم لهم كّرّم، يشكون قوما آخرين لهم غَنَم. فقال أصحاب الكريم، أن غنم القوم، دخلت كرمهم فأكلت شجره كله. فحكم داود – عليه السلام – لأصحاب الكرم بقيمته. فلما خرجوا على سليمان، قال: بمَ حكمَ لكم نبي الله؟ فقالوا، بالتعويض بقيمته. فقال: أما لو كنت أنا لما حكمت إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجا ودرا حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه، ثم يتسلموا غنمهم. فبلغ داود عليه السلام ذلك فحكم به.
وكان داود رغم قربه من الله وحب الله له، يتعلم دائما من الله، وقد علمه الله يوما ألا يحكم أبدا إلا إذا استمع لأقوال الطرفين المتخاصمين. فيذكر لنا المولى في كتابه الكريم قضية أخرى عرضت على داود عليه السلام.
جلس داود يوما في محرابه الذي يصلي لله ويتعبد فيه، وكان إذا دخل حجرته أمر حراسه ألا يسمحوا لأحد بالدخول عليه أو إزعاجه وهو يصلي. ثم فوجئ يوما في محرابه بأنه أمام رجلان.. وخاف منهما داود لأنهما دخلا رغم أنه أمر ألا يدخل عليه أحد. سألهما داود: من أنتما؟
قال أحد الرجلين: لا تخف، بيني وبين هذا الرجل خصومة وقد جئناك لتحكم بيننا بالحق.
سأل داود: ما هي القضية؟ قال الرجل الأول: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ). وقد أخذها مني. قال أعطها لي وأخذها مني.
وقال داود بغير أن يسمع رأي الطرف الآخر وحجته: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ). وإن كثيرا من الشركاء يظلم بعضهم بعضا إلا الذين آمنوا.
وفوجئ داود باختفاء الرجلين من أمامه. فأدرك داود أن الرجلين ملكان أرسلهما الله إليه ليعلماه درسا. فلا يحكم بين المتخاصمين من الناس إلا إذا سمع أقوالهم جميعا، فربما كان صاحب التسع والتسعين نعجة معه الحق. وخر داود راكعا، وسجد لله، واستغفر ربه.
نسجت أساطير اليهود قصصا مريبة حول فتنة داود عليه السلام، وقيل أنه اشتهى امرأة أحد قادة جيشه فأرسله في معركة يعرف من البداية نهايتها، واستولى على امرأته. وليس أبعد عن تصرفات داود من هذه القصة المختلقة. إن إنسانا يتصل قلبه بالله، ويتصل تسبيحه بتسبيح الكائنات والجمادات، يستحيل عليه أن يرى أو يلاحظ جمالا بشريا محصورا في وجه امرأة أو جسدها.
وفاته عليه السلام:
عاد داود يعبد الله ويسبحه حتى مات. كان داود يصوم يوما ويفطر يوما. قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن داود: “أفضل الصيام صيام داود. كان يصوم يوما ويفطر يوما. وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتا، وكانت له ركعة من الليل يبكي فيها نفسه ويبكي ببكائه كل شيء ويشفي بصوته المهموم والمحموم”.
جاء في الحديث الصحيح أن داود عليه السلام كان شديد الغيرة على نساءه، فكانت نساءه في قصر، وحول القصر أسوار، حتى لا يقترب أحد من نساءه. وفي أحد الأيام رأى النسوة رجلا في صحن القصر، فقالوا: من هذا والله لإن رآه داود ليبطشنّ به. فبلغ الخبر داود – عليه السلام – فقال للرجل: من أنت؟ وكيف دخلت؟ قال: أنا من لا يقف أمامه حاجز. قال: أنت ملك الموت. فأذن له فأخذ ملك الموت روحه.
مات داود عليه السلام وعمره مئة سنة. وشيع جنازته الكثير من الناس، فقد كان محبوبا جدا بينهم، حتى قيل لم يمت في بني إسرائيل بعد موسى وهارون أحد كان بنو إسرائيل أشد جزعا عليه، منهم على داود.
ويقال أن الشمس آذت الناس، فدعا سليمان الطير قال: أظلي على داود. فأظلته حتى أظلمت عليه الأرض. وسكنت الريح. وقال سليمان للطير: أظلي الناس من ناحية الشمس وتنحي من ناحية الريح. وأطاعت الطير. فكان ذلك أول ما رآه الناس من ملك سليمان.