بعد يوشع بن نون انفصل الحكم عن الدين. فآخر نبي ملك كان يوشع بن نون. أما من بعده فكانت الملوك تسوس بني إسرائيل وكانت الأنبياء تهديهم. وزاد طغيان بني إسرائيل، فكانوا يقتلون الأنبياء، نبيا تلو نبي، فسلط الله عليهم ملوكا منهم ظلمة جبارين، أذلوهم وطغوا عليهم.

وتتالت الهزائم على بني إسرائيل، حتى انهم أضاعوا التابوت. وكان في التابوت بقية مما ترك آل موسى وهارون، فقيل أن فيها بقية من الألواح التي أنزلها الله على موسى، وعصاه، وأمورا آخرى. كان بنو إسرائيل يأخذون التابوت معهم في معاركهم لتحل عليهم السكينة ويحققوا النصر. فتشردوا وساءت حالهم.

في هذه الظروف الصعبة، بعث الله فيهم نبيا من الأنبياء يقال له شمويل، وقيل شمعون.

ذهب بنو إسرائيل لنبيهم، شمويل، فطلبوا منه أن ينصّب لهم مَلِكا يكونون تحت طاعته ليقاتلوا معه الأعداء.

قال نبيهم وكان أعلم بهم: هل أنتم واثقون من القتال لو كتب عليكم القتال؟

قالوا: ولماذا لا نقاتل في سبيل الله، وقد طردنا من ديارنا، وتشرد أبناؤنا، وساء حالنا؟

قال نبيهم: إن الله اختار لكم طالوت ملكا عليكم.

قالوا: كيف يكون ملكا علينا وهو ليس من أبناء الأسرة التي يخرج منها الملوك -أبناء يهوذا- كما أنه ليس غنيا وفينا من هو أغنى منه؟

قال نبيهم: إن الله اختاره، وفضله عليكم بعلمه وقوة جسمه.

قالوا: ما هي آية ملكه؟

قال لهم نبيهم: يسرجع لكم التابوت تحمله الملائكة. وأنتم ترون ذلك عيانا، ليكون آية الله عليكم، وحجة باهرة على صدق ما أقوله لكم، وعلى صحة ولاية هذا الملك الصالح عليكم.

تولى طالوت الملك، وجهّز جيشه. سار الجيش طويلا حتى أحس الجنود بالعطش. قال الملك طالوت لجنوده: سنصادف نهرا في الطريق، فمن شرب منه فليخرج من الجيش، ومن لم يذقه وإنما بل ريقه فقط فليبق معي في الجيش.

وجاء النهر فشرب معظم الجنود، وخرجوا من الجيش، وكان طالوت قد أعد هذا الامتحان ليعرف من يطيعه من الجنود ومن يعصاه، وليعرف أيهم قوي الإرادة ويتحمل العطش، وأيهم ضعيف الإرادة ويستسلم بسرعة. لم يبق إلا ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا، لكن جميعهم من الشجعان، وأهل الإيمان.

كان عدد أفراد جيش طالوت قليلا، وكان جيش العدو كبيرا وقويا. فشعر بعض -هؤلاء الصفوة- أنهم أضعف من جالوت وجيشه وقالوا: كيف نهزم هذا الجيش الجبار؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍!

قال المؤمنون من جيش طالوت: النصر ليس بالعدة والعتاد، إنما النصر من عند الله. (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ). فثبّتوهم.

وبرز جالوت في دروعه الحديدية وسلاحه، وهو يطلب أحدا يبارزه. وخاف منه جنود طالوت جميعا. وهنا برز من جيش طالوت راعي غنم صغير هو داود. كان داود مؤمنا بالله، وكان يعلم أن الإيمان بالله هو القوة الحقيقية في هذا الكون، وأن العبرة ليست بكثرة السلاح، ولا ضخامة الجسم ومظهر الباطل.

ويقال أن الملك وعد من يقتل جالوت بتنصيبه قائدا على الجيش وتزويجه ابنته. ولم يكن داود يهتم كثيرا لهذا الإغراء. كان يريد أن يقتل جالوت لأن جالوت رجل جبار وظالم ولا يؤمن بالله. وسمح الملك لداود أن يبارز جالوت.

وتقدم داود بعصاه وخمسة أحجار ومقلاعه (وهو نبلة يستخدمها الرعاة). تقدم جالوت المدجج بالسلاح والدروع. وسخر جالوت من داود وأهانه وضحك منه، ووضع داود حجرا قويا في مقلاعه وطوح به في الهواء وأطلق الحجر. فأصاب جالوت فقتله. وبدأت المعركة وانتصر جيش طالوت على جيش جالوت.

لما قتل داود جالوت، أحبته بنو إسرائيل، ومالوا إليه وإلى ملكه عليهم، فصار له الملك من بعد طالوت. فجمع الله على يديه النبوة والملك مرة أخرى.

وتأتي بعض الروايات لتخبرنا بأن طالوت بعد أن اشتهر نجم داوود أكلت الغيرة قلبه، وحاول قتله، وتستمر الروايات في نسج مثل هذه الأمور. لكننا لا نود الخوض فيها فليس لدينا دليل قوي عليها. ما يهمنا هو انتقال الملك بعد فترة من الزمن إلى داود.